بقلم السيدة موريال حويك
لا تُقاس مكانة المدن دائمًا بحجمها أو بثقلها الاقتصادي، بل أحيانًا بالدور الذي تنجح في بنائه على المستوى الدولي. فبعض المدن تتحول، عبر تراكم المؤسسات والخبرات والمعرفة والعلاقات، إلى مراكز تؤدي وظائف تتجاوز حدودها الجغرافية. من هنا تكتسب لاهاي أهمية خاصة، إذ بنت حول القانون الدولي والعدالة والدبلوماسية والأمن والمعرفة بيئة متخصصة تتجاوز مجرد وجود مؤسسات دولية متجاورة.
تظهر هذه البيئة في طبيعة المؤسسات التي تحتضنها المدينة وفي شبكة العلاقات بينها وبين الجامعات ومراكز الأبحاث والخبراء والمنظمات المتخصصة. وتُعدّ محكمة العدل الدولية، الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، أحد أبرز مكونات هذه البيئة، من خلال اختصاصها في الفصل في النزاعات القانونية بين الدول وإصدار الآراء الاستشارية. إلى جانبها، تعمل المحكمة الجنائية الدولية في مجال المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية الأساسية، فيما تمتد الخبرة في العدالة الجنائية الدولية عبر الآلية الدولية لتصريف الأعمال المتبقية للمحكمتين الجنائيتين ليوغوسلافيا السابقة ورواندا.

لا تتوقف الصورة عند القضاء. فمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية تضيف بُعدًا يتعلق بالأمن الدولي والتحقق من الالتزام بالاتفاقيات الدولية، وقد مُنحت جائزة نوبل للسلام عام 2013. كما تعزز وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال العدالة الجنائية Eurojust التعاون القضائي في القضايا الجنائية العابرة للحدود، فيما تعمل اللجنة الدولية للأشخاص المفقودين عند تقاطع الأبعاد الإنسانية والقانونية والعلمية لقضايا المفقودين.
وتتوسع هذه البيئة إلى مؤسسات بحثية وأكاديمية متخصصة، مثل T.M.C. Asser Institute ومعهد HiiL للابتكار في مجال القانون، حيث تتحول المعرفة القانونية إلى أبحاث وتدريب وحلول عملية.
إن ما سبق ليس إلا أمثلة على منظومة أوسع بكثير من المؤسسات والشبكات والخبرات التي تتقاطع في لاهاي، بما يجعل دور هذه المدينة أوسع من أن يحصر في هذه النماذج.
من هذا المنطلق، لا تكون المقارنة بين بيروت ولاهاي مقارنة بين مدينتين بقدر ما هي مقارنة في كيفية تحويل الإمكانات إلى أدوار. فلبنان يمتلك موقعًا على شرق المتوسط، ويرتبط بمحيطه العربي وبعلاقاته الأوروبية والدولية، ويضم جامعات وخبرات قانونية وأكاديمية، فضلًا عن انتشار بشري واسع في الخارج ورصيد من الانخراط في المعاهدات والعلاقات الدولية. وبذلك يمتلك مقومات لحضور دولي متخصص، لكنه يحتاج إلى مشروع مؤسساتي يجمعها ضمن رؤية واضحة ومستدامة.

حتى الحضور اللبناني في لاهاي يعكس جزءًا من هذه الإمكانات. فسفارة لبنان توجد في بيئة دبلوماسية وقانونية دولية متخصصة، كما أن كفاءات لبنانية عملت وتعمل في مجالات القانون والعدالة الدولية والبحث، بما يشكل رأس مال بشري يمكن، إذا أُنشئت قنوات مؤسساتية مناسبة، أن يتحول من نجاحات فردية إلى مورد معرفي وعلاقاتي يرتبط بالداخل اللبناني.
كما تقدّم بعض المبادرات مثالًا على هذه القنوات. فقد أتاح برنامج سيادة القانون للشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى Konrad-Adenauer-Stiftung في لبنان التعرّف عن قرب إلى عمل عدد من مؤسسات لاهاي في مجالات العدالة الدولية والقانون والأمن والتعاون القضائي، بما ساهم في نقل جانب من هذه الخبرات والمعارف إلى السياق اللبناني وربط الخبرة الدولية بالبيئة اللبنانية.
لكن وجود هذه العناصر لا يكفي وحده. فالفارق بين الإمكان والقدرة يكمن في التنظيم، وبين القدرة والوظيفة في الاستمرارية. وتحتاج الجامعات والخبرات المنتشرة في الخارج إلى بيئة تربط المعرفة والخبرة بالتخطيط والسياسات والمؤسسات لتتحول إلى مورد استراتيجي. لذلك، يشكل الإصلاح الإداري، والاستثمار في التعليم والبحث، وتطوير المؤسسات، وتعزيز القدرة على التخطيط والتنفيذ، شروطًا أساسية لبناء حضور دولي مستدام.

من هنا تصبح تجربة لاهاي مفيدة للبنان كطريقة لفهم آليات بناء الدور الدولي. فالمسألة ليست أن يصبح لبنان «لاهاي أخرى»، بل أن يحدد الوظيفة التي يستطيع أداءها انطلاقًا من خصائصه. ويمكن أن يبدأ هذا المسار من اختصاص محدد تتوافر حوله مقومات بشرية ومؤسساتية، ثم يتطور مع تراكم الخبرة والعلاقات.
فالدولة لا تبني حضورها الدولي من خلال مواقفها السياسية وعلاقاتها الدبلوماسية فحسب، بل أيضًا من خلال قدرتها على إنتاج المعرفة، وتطوير الخبرات، وإنشاء المؤسسات التي تمنح هذه الموارد إطارًا مستدامًا للعمل والتأثير.
الدرس الأهم من لاهاي ليس عدد المؤسسات الموجودة فيها، بل الطريقة التي تحولت بها المعرفة والخبرة والموقع إلى منظومة متخصصة ذات وظيفة دولية. فالجغرافيا تمنح نقطة انطلاق، لكنها لا تحدد الدور وحدها؛ والمعرفة تصبح قوة عندما تجد مؤسسة تحتضنها، ورأس المال البشري يصبح موردًا استراتيجيًا عندما يرتبط بسياسة عامة، والموقع يتحول إلى نفوذ عندما يُبنى حوله دور واضح ومؤسسات قادرة واستمرارية تسمح بتراكم الخبرة.
في النهاية، لا يكمن الفارق بين مدينة موجودة على الخريطة وأخرى غير موجودة عليها، بل بين مدينة تملك إمكانات متفرقة، ومدينة استطاعت أن تحول تلك الإمكانات إلى وظيفة، ثم إلى مؤسسة، ثم إلى دور يتراكم مع الزمن.
