WE ANTICIPATE
THE CHALLENGES

المسؤولية الجزائية عن الذكاء الاصطناعي: بين قصور النماذج التقليدية ومحاولة بناء نموذج تفاعلي جديد

بقلم السيدة موريال الحويك

أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز التحولات التقنية التي أعادت طرح أسئلة جوهرية في القانون الجنائي، خصوصًا فيما يتعلق بمفهوم الفاعل الجنائي، والإرادة، والإسناد الشخصي للفعل الإجرامي.

مع تطور الأنظمة الذكية وقدرتها على التعلم الذاتي واتخاذ القرار بشكل شبه مستقل، لم يعد من السهل تطبيق القواعد التقليدية للمسؤولية الجزائية التي نشأت في سياق يفترض وجود إنسان واعٍ ومسيطر على مجريات الفعل.

من هنا، برزت إشكالية مركزية تتمثل في مدى إمكانية إخضاع الأفعال الناشئة عن الذكاء الاصطناعي للقانون الجنائي التقليدي، أو ضرورة إعادة بناء هذا الأخير بما يتلاءم مع طبيعة الفاعل الرقمي الجديد.

 

أولًا: نظرية المسؤولية الجنائية المباشرة للذكاء الاصطناعي

 

طرحGabriel Hallevy إمكانية مساءلة الذكاء الاصطناعي جنائيًا بشكل مباشر، من خلال ما سماه “المسؤولية الجنائية للأنظمة الذكية” (Artificial Criminal Liability)، يقوم هذا التصور على أساس الفاعلية الوظيفية، أي اعتبار من يُنتج النتيجة الإجرامية فعليًا هو الفاعل، بغض النظر عن كونه إنسانًا أو نظامًا ذكيًا.

غير أن هذه النظرية تصطدم بعدة إشكالات جوهرية، أهمها غياب الإرادة والوعي لدى الآلة، واستحالة تطبيق العقوبات الجنائية التقليدية عليها، إضافة إلى انهيار وظيفة الردع، لأن النظام لا يدرك معنى الجزاء.

لذلك، تبقى هذه النظرية أقرب إلى التصور النظري منها إلى النموذج القابل للتطبيق العملي.

 

ثانيًا: نظرية الرفض المطلق للمسؤولية الجنائية للذكاء الاصطناعي

 

على النقيض من الاتجاه السابق، يذهب اتجاه فقهي تقليدي يمثله Woodrow Barfield وعدد من فقهاء القانون الجنائي الكلاسيكي إلى رفض أي إمكانية لإسناد المسؤولية الجنائية إلى الذكاء الاصطناعي.

باعتبار أن المسؤولية تفترض عناصر لا يمكن للآلة امتلاكها، مثل الإرادة، والإدراك، والوعي الأخلاقي.

بالتالي، يبقى الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية في يد الإنسان، وتبقى المسؤولية محصورة في المستخدم أو المطور أو الشركة المصنعة.

غير أن هذا الاتجاه يُنتقد لكونه يعجز عن تفسير الحالات التي يحدث فيها الضرر دون تدخل بشري مباشر، كما أنه لا يقدم حلولًا كافية لحالات الفراغ الإسنادي التي تخلقها الأنظمة المستقلة، مما يؤدي إلى صعوبة تحديد المسؤول الفعلي في بعض الوقائع المعقدة.

 

ثالثًا: نظرية المسؤولية الوظيفية (Ryan Abbott)

 

يحاول Ryan Abbott تجاوز الثنائية التقليدية بين الإنسان والآلة من خلال ما يُعرف بـ”الروبوت العاقل الافتراضي” (The Reasonable Robot). يقوم هذا الاتجاه على فكرة توزيع المسؤولية حسب الدور الوظيفي لكل طرف داخل سلسلة إنتاج القرار، بدل البحث عن فاعل وحيد.

بهذا المعنى، يمكن أن تتوزع المسؤولية بين المستخدم والمطور والشركة، وفقًا لمدى مساهمتهم في النتيجة الضارة.

رغم واقعية هذا الاتجاه، إلا أنه يواجه إشكالية غموض معيار توزيع المسؤولية، وصعوبة تحديد درجة مساهمة كل طرف بدقة، مما قد يؤدي إلى تشتت الإسناد بدل حسمه.

 

رابعًا: المقاربة التنظيمية القائمة على المخاطر (النموذج الأوروبي)

 

تبنى الاتحاد الأوروبي، من خلال قانون الذكاء الاصطناعي (EU AI Act)، مقاربة مختلفة تقوم على إدارة المخاطر بدل التركيز على تحديد الفاعل. حيث يتم تصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي حسب درجة الخطورة إلى أنظمة محظورة، وعالية الخطورة، ومحدودة، ومنخفضة الخطورة.

ويقوم هذا النموذج على منطق وقائي يركز على الامتثال المسبق، الرقابة المستمرة وتقييم المخاطر

غير أن هذا الاتجاه، رغم تطوره، يظل أقرب إلى القانون الإداري والتنظيمي منه إلى القانون الجنائي، إذ لا يقدم نظرية واضحة للمسؤولية الجزائية بعد وقوع الضرر.

 

خامسًا: نحو نموذج جديد — المسؤولية التفاعلية التدرّجية

 

أمام حدود هذه النظريات، تبرز الحاجة إلى نموذج أكثر مرونة وقدرة على استيعاب تعقيد العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي.

من هنا، يمكن اقتراح نموذج جديد يقوم على فكرة “المسؤولية التفاعلية التدرّجية”. هذا النموذج يقوم على عدة مرتكزات أساسية:

أولًا، الانتقال من فكرة الفاعل الفرد إلى فكرة شبكة الفعل، حيث يتم تحليل الجريمة باعتبارها نتيجة تفاعل بين الإنسان والنظام الذكي.

ثانيًا، اعتماد مبدأ التدرّج في الإسناد، بحيث تتحدد المسؤولية وفق درجة استقلال النظام، ومدى تدخل الإنسان، وإمكانية التوقع والسيطرة.

ثالثًا، الاعتراف بأن المسؤولية لا تكون متساوية بين الأطراف، بل تتوزع بشكل غير متكافئ بين المستخدم والمطور والشركة والدولة.

رابعًا، إدماج المسؤولية التأمينية، من خلال فرض نظام تأمين إجباري يغطي مخاطر الذكاء الاصطناعي، بما يضمن حماية الضحايا وتخفيف عبء الإثبات.

خامسًا، إعادة تعريف السؤال الجنائي التقليدي من من الفاعل؟ إلى كيف تشكل الفعل داخل منظومة تفاعلية معقدة؟

يتبين من خلال تحليل الاتجاهات الفقهية والتشريعية أن القانون الجنائي التقليدي يواجه حدودًا واضحة أمام تطور الذكاء الاصطناعي، سواء في صيغته المباشرة أو الوظيفية أو التنظيمية.

كل نظرية تقدم جزءًا من الحل، لكنها لا تقدم تصورًا متكاملًا قادرًا على استيعاب التحول البنيوي الذي فرضته الأنظمة الذكية.

من هنا، تبرز أهمية المقاربة التدرّجية التفاعلية باعتبارها محاولة لبناء نموذج قانوني جديد، يجمع بين حماية المجتمع وضمان العدالة، وبين الحفاظ على المبادئ الأساسية للقانون الجنائي وتكييفها مع الواقع الرقمي الجديد.

بذلك، لا يكون الهدف إلغاء القانون الجنائي التقليدي، بل إعادة بنائه بشكل يسمح له بالاستمرار في أداء وظيفته في عصر الذكاء الاصطناعي