بقلم المحامي جوزيف يزبك – ياز كونسلت
تنصّ المادة 69 من قانون تنظيم مهنة المحاماة على استحقاق تعويض للمحامي من موكله إذا كان بينهما وكالة سنويّة وتمّ إنهاؤها بشكل تعسّفي من قبل الموكّل، أو في حالة وفاة الوكيل أو تقاعده أو في حالة حصول أيّ طارئ يمنع الوكيل من تنفيذ مهامه.
وهنا يلاحظ أنّ المشرّع لم يذكر بين هذه الحالات، حالة وفاة الموكّل التي تؤدّي اصلا إلى سقوط الوكالة. فيُطرح السؤال، لماذا لم يذكر المشرّع هذه الحالة لاستحقاق التعويض؟ وهل أنّه بالرّغم من ذلك يستحقّ التعويض في حالة وفاة الموكّل؟
ما يزيد من غرابة عدم ذكر حالة وفاة الموكّل كحالة لاستحقاق التعويض، هي العناصر التالية:
-من الواضح أنّ هذه المادّة وُضعت لحماية الوكيل، وبالتالي، كيف لا تحميه وتحمي تعبه في حالة وفاة الموكّل.
-بما أنّ المادّة ذكرت حالة وفاة الوكيل، فهذا يعني أنها لا تبحث عن مسؤوليّة على الموكّل ليستحقّ التعويض. وبالتالي، فإنّ وفاة الموكّل تقع في نفس الخانة وتستفيد من الخلفيّة نفسها لوفاة الوكيل، فلماذا لم تذكر في هذه المادّة.
-إنّ وفاة الموكّل تؤدّي مباشرة إلى سقوط أيّة وكالات وقعها الموكّل لمصلحة الوكيل، وبالتالي، هذه الحالة هي الأكثر حساسيّة للوكيل، والتي يجب أن يتمّ حمايته فيها من الورثة، فكيف لا يشملها التعويض؟
الجواب بكلّ بساطة هو أنّ وفاة الموكّل وإن كانت تؤدّي إلى سقوط الوكالة المنظّمة من الموكّل للوكيل، إلا أنها لا تسقط ما يسمّيه المشرّع في المادة 69 بـ “الوكالة السنويّة”!!
سنوضح ذلك فيما يلي.
الحقيقة أنّ ما يسمّيه المشرّع “وكالة” سنويّة هو “عقد” سنويّ. فالوكالة أصلا لا تكون سنويّة بل هي مستمرّة.
وفي الحالات العاديّة الأكثر شيوعا:
-يتمّ الاتفاق بين الموكّل والمحامي على عقد أتعاب سنويّة
-وبناء عليه يتمّ تحرير وكالة تسمح للمحامي بتمثيل الموكّل لتأدية خدماته المتفق عليها في عقد الأاتعاب السنويّة
وبالتالي، في حالة وفاة الموكّل:
-تسقط الوكالة حكما
-ولكن يستمرّ عقد الأتعاب السنويّة (لكونه “عقد”) مع الورثة
وفيما يلي مثل يشرح ذلك:
-عقد أتعاب لمتابعة دعوى بين الموكّل والمحامي (هذه ليست حالة الوكالة السنويّة، ولكنها توضح الفكرة بشكل لا لبس فيه).
-قبل انتهاء الدّعوى، توفي الوكيل، فهذا يعني حكما انتهاء العقد، لأنّ الوكيل توفي وبالتالي، من غير الممكن أن يتابع الدّعوى فيما بعد.
-أمّا في حال توفّي الموكّل، عندها يبقى بإمكان المحامي متابعة الدّعوى في حال كلّفة بذلك الورثة.
-لا بل أكثر من ذلك، في حالة محام تابع دعوى معيّنة حتى أشرفت على انتهائها. وكان قد اتفق مع الموكّل على أن القسم الأكبر من أتعابه يستحقّ عند نهاية الدّعوى. إلا أنه قبل نهاية الدّعوى توفّي الموكّل. في هذه الحالة، لا يمكن أن تسقط حقوق الوكيل بالأتعاب عن الأعمال التي سبق وقام بها والتي ستظهر نتيجتها عند صدور القرار النهائيّ.
-وبالتالي، في هذه الحالة الأخيرة، فإنّ عقد الأتعاب عن الدّعوى يبقى مستمرّا وملزما للورثة الذين لم يرفضوا التركة. ويكون عليهم تحرير وكالة جديدة باسمهم للمحامي كي يتابع الدّعوى وحفاظا على حقوقه، تحت طائلة اعتبار ذلك بمثابة عزل للمحامي، وبالتالي، توجّب أتعابه كاملة كما لو كان قد أنجز كامل الدّعوى.
بمعنى آخر:
-“الوكالة السنويّة” أو الأصحّ “إتفاقيّة الأتعاب السنويّة” هي عقد، وبالتالي، فهي تنتقل إلى الورثة الذين يحلون محلّ مورّثهم في عقد الأتعاب.
-أمّا الوكالة العاديّة فهي مجرّد أداة تنفيذيّة لعقد الأتعاب السنويّة. تسقط هذه الوكالة بوفاة الموكّل ولكن يتوجّب على الورثة تحرير وكالة جديدة منهم إلى المحامي تحت طائلة اعتبار تمنّعهم عن ذلك بمثابة عزل للوكيل.
وقد نصّ قانون المحاماة على أنّه في حال عزل الوكيل تستحقّ كامل أتعابه كأنه أنجز العمل. وبالتالي، يحمي القانون اللبناني حقوق المحامي المصانة بعقد. هذا لا يعني أنه لا يحقّ للموكّل عزل الوكيل في أيّ وقت، إلا أنه في هذه الحالة يتوجّب على الموكّل تسديد كامل أتعاب المحامي وكأنه أنجز كامل العمل لغاية نهاية العقد.
ولمزيد من التوضيح،
فإنه لا خلاف على أنه يحقّ للورثة تعيين محام آخر في كلّ ملفّ جديد،
ولكن لا يحقّ لهم عزل الموكّل (عبر عدم تجديد وكالته وتعيين ومحام جديد):
-في الملفّات التي لم تنته بعد (الدّعاوى والمعاملات التي كان باشر فيها المحامي)
-وفي الخدمات التي هي موضوع اتفاقيّة أتعاب محاماة (إن كانت تنتهي بمدّة معيّنة ولم تنته المدّة المذكورة بعد عند وفاة الموكّل، أو إذا كانت إتفاقيّة المحاماة ذات مدّة غير محدودة) التي يتوجّب احترام الموجبات المتقابلة فيها مثل أيّة اتفاقيّات أخرى.
ويتأكّد ذلك أكثر عند مقارنة نصّ المادّة 69 من قانون تنظيم مهنة المحاماة (انتهاء الوكالة السنويّة (العقد)) مع المادة 808 من قانون الموجبات والعقود (انتهاء الوكالة العاديّة (الوكالة)):
“تنتهي الوكالة:
اولا- بانتهاء العمل الذي أعطيت لاجله.
ثانيا- بتحقق شرط الالغاء او بحلول الاجل المعين للوكالة
ثالثا- بعزل الموكل للوكيل.
رابعا- بعدول الوكيل عن الوكالة
خامسا- بوفاة الموكل او الوكيل.
سادسا- بحدوث تغيير في حالة الموكل او الوكيل يفضي الى فقدانه مثل الحجر واعلان الافلاس، ما لم يكن موضوع الوكالة من الاعمال التي يمكن إتمامها بالرغم من ذلك التغيير.
سابعا- باستحالة التنفيذ الناشئة عن سبب ليس له علاقة بمشيئة الفريقين المتعاقدين.
يؤكّد ذلك على ما سبق واستخلصناه لجهة كون الوكالة السنويّة هي عقد وليست مجرّد وكالة (وإنّ تمّ تسميتها “وكالة سنوية” بينما هي بالحقيقة “إتفاقيّة أتعاب سنويّة”). فلو كانت هي وكالة حقيقية لكانت سقطت حُكمًا بوفاة الموكّل كما تسقط بوفاة الوكيل، بحسب ما نصّت عليه المادّة 808، وكان استحقّ التعويض عنها كما يستحقّ عند وفاة الوكيل.
وبنفس الاتجاه، أكّد الاجتهاد بدوره على أنّ حقوق المحامي لا تسقط بوفاة الموكّل، بل تستمرّ مع الورثة:
“في السبب الأول: حيث ان المدعي يعيب على المحكمة مصدرة القرار المشكو منه الخطأ الجسيم المتمثل في ارساء “قاعدة خطيرة تتركز على ان حقوق الموظفين والمحامين والعمال تسقط لمجرد وفاة رب العمل او الموكل مهما كانت مدة عملهم وخدمتهم”، موضحاً انه بحسب القرار المطعون فيه، فان تعويضات الوكيل لا تستحق عند وفاة الموكل الا اذا كان الوكيل قد عمد الى طلب اعفائه من الوكالة قبل وفاة الموكل او عند انقضاء 20 سنة على توكله عنه، وان القرار المطعون فيه استند لاسقاط حق الوكيل بالأتعاب الى احكام المادة 69 من قانون تنظيم مهنة المحاماة التي لم يرد فيها اي نص على سقوط حقوق الوكيل في حالة وفاة الموكل، وبالتالي ان حق هذا الاخير ثابت بموجب هذه المادة سواء عند وفاة الموكل او عند وفاة الوكيل، وان تعميم القاعدة المذكورة يشكل خطراً اجتماعياً كبيراً من شأنه ان يقلب نظام التعامل بحيث ان الحقوق اصبحت تسقط لسبب لا يتعلق بالوكيل والعامل بل لمجرد وفاة رب العمل، اضافة الى ان وفاة صاحب المؤسسة لم يؤدِ الى وفاة المؤسسة التي استمرت موضوعاً لوكالة الوكيل اذ ان الوكالات التي نظمتها السيدات (آل ب.) تتعلق بمؤسسة (ب.) للشقق المفروشة المستمرة حتى اليوم”
(قرار رقم 23/2018، تاريخ 12/3/2018، تمييز مدني، هيئة عامة، رئيس الهيئة العامة لمحكمة التمييز بالانابة القاضي جوزيف سماحة، الرؤساء جان عيد، ميشال طرزي، خالد ذوده، غسان فواز، عفيف الحكيم وجمال حجار)