بقلم المحامية رنا برمانا – ياز كونسلت
يكثر الحديث مؤخّرًا عن موضوع الوساطة القضائيّة كأداة لتخفيف الحمل عن المحاكم في لبنان، وبالتالي لجعل عملها أكثر فعّاليّة وتسريع الفصل في النزاعات. ويأتي هذا الطرح في ظلّ الأزمة التي يعاني منها القضاء اللبناني، سواء من حيث بطء الإجراءات، أو تراكم الدعاوى، أو ارتفاع الكلفة الماديّة والنفسيّة للتقاضي بالنسبة للمتقاضين.
وتقوم الوساطة القضائيّة على إلزام القاضي، أو على الأقل دفعه، إلى القيام بمساعٍ تهدف إلى حلّ النزاع حبّيًّا بين الفرقاء قبل الغوص في المحاكمات الطويلة والمضنية للمحكمة والأطراف على حدّ سواء. وتستند هذه الفكرة إلى توجّه عالمي حديث يعتبر أنّ وظيفة العدالة لا تقتصر على إصدار الأحكام، بل تشمل أيضًا المساهمة في إعادة السلم الاجتماعي وترميم العلاقة بين الأطراف متى أمكن ذلك.
غير أنّ هذا الطرح، ولو بدا فعّالًا وجاذبًا من الناحية النظريّة، يصطدم بعدّة عقبات ومحاذير أساسيّة، تجعل من الضروري مقاربته بحذر، وإدخال تعديلات جوهريّة عليه بما يحفظ فعاليّته ويمنع تحوّله إلى عنصر إضافي من عناصر تعطيل العدالة.
أولًا: العقبة النظريّة: الفصل بين الجهة التي تتولّى الوساطة والجهة التي تتولّى الفصل في النزاع، سواء قضائيًّا أو تحكيميًّا
الأسباب الموجبة للفصل
تُعتبر الوساطة من أنبل وسائل حلّ النزاعات، وكما يقول المثل الفرنسي الشهير:
Une mauvaise conciliation vaut mieux qu’un bon procès
“تسوية سيّئة خير من دعوى قضائيّة جيّدة.”
فالغاية الأساسيّة من الوساطة ليست فقط الوصول إلى اتفاق، بل إعادة فتح قنوات التواصل بين الأطراف، وبناء حدّ أدنى من الثقة يسمح بإيجاد حلول مرنة تتجاوز المنطق الصدامي للمحاكمة.
إلّا أنّ تحقيق هذه الغاية يفترض احترام أحد أهمّ المبادئ التي تقوم عليها الوساطة الحديثة، وهو مبدأ الفصل بين الجهة التي تتولّى الوساطة والجهة التي ستفصل في النزاع لاحقًا، سواء بصفتها قاضيًا أو محكّمًا.
وتكمن أهميّة هذا الفصل في أنّ الوساطة لا يمكن أن تكون فعّالة إلّا إذا شعر الأطراف بالأمان الكامل أثناء الحوار. فالوساطة تتطلّب من الفرقاء أن يفتحوا قلوبهم، وأن يعبّروا بحريّة عن مخاوفهم ونقاط ضعفهم، وأن يقترحوا حلولًا قد تتضمّن تنازلات أو اعترافات ضمنيّة، دون الخشية من استعمالها ضدّهم لاحقًا أمام المحكمة.
فإذا كانت الجهة التي تتولّى الوساطة هي نفسها التي ستصدر الحكم في النزاع، يصبح من شبه المستحيل أن يتصرّف الأطراف بعفويّة وصدق. إذ سيضطرّ كلّ طرف إلى وزن كلّ كلمة يقولها خلال الوساطة بميزان تأثيرها المحتمل على مركزه القانوني في المحاكمة اللاحقة. وعندها تتحوّل الوساطة من مساحة لبناء الثقة إلى امتداد غير رسمي للمرافعة القضائيّة، فتفقد جوهرها الحقيقي.
وقد كرّست معظم التشريعات الحديثة هذا المبدأ، كما أكّدت عليه قواعد الوساطة الدوليّة، انطلاقًا من أنّ الحياد المطلوب من القاضي أو المحكّم يتعارض بطبيعته مع المعلومات غير الرسميّة أو الاعترافات أو التنازلات التي قد يطّلع عليها خلال الوساطة.
الممارسات المخالفة المعتمدة في العالم
لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذا المبدأ، رغم أهميّته، يشهد بعض الاستثناءات في عدد من الأنظمة القانونيّة العريقة.
ففي بعض مراكز التحكيم في الصين، وخصوصًا ضمن النموذج المعتمد في عدد من المؤسّسات المرتبطة بالتقاضي التجاري، يمارس المحكّم نفسه دور الوسيط بين الفرقاء، وإذا فشلت الوساطة يتابع هو نفسه النظر في النزاع كمحكّم.
وتُعرف هذه المقاربة أحيانًا بـ:
“Med-Arb”
أي الجمع بين الوساطة والتحكيم في شخص واحد.
ورغم أنّ هذه الممارسة تبدو مخالفة للمبدأ التقليدي للفصل بين الوظيفتين، إلّا أنّها تستند في البيئة القانونيّة الصينيّة إلى اعتبارات ثقافيّة وقانونيّة مختلفة، حيث يُنظر إلى الوصول إلى التوافق بين الأطراف كغاية أساسيّة للعدالة.
ومع ذلك، فقد تعرّض هذا النموذج لانتقادات واسعة في الفقه القانوني الدولي، لأنّه يهدّد مبدأ الحياد، ويخلق خشية مشروعة لدى الأطراف من كشف مواقفهم الحقيقيّة خلال الوساطة.
الحلّ الوسطي في المحاكم الروحيّة في لبنان
كذلك تجدر الإشارة إلى أنّ نوعًا من الوساطة الإلزاميّة موجود فعليًّا في لبنان ضمن المحاكم الروحيّة، وخصوصًا في القضايا الزوجيّة.
غير أنّ الدافع هنا مختلف، إذ تعتبر المحاكم الروحيّة أنّ الزواج سرّ مقدّس، وبالتالي لا يقتصر دور المحكمة على الفصل بالنزاع، بل يمتدّ إلى محاولة إنقاذ العلاقة الزوجيّة نفسها.
ومن هنا، تسعى المحكمة إلى إجراء ما يُعرف بالمصالحة، التي لا تهدف فقط إلى تقريب وجهات النظر، بل أحيانًا إلى إقناع الزوجين بالعدول عن فكرة الانفصال أصلًا، حتّى ولو كانا متوافقين عليه.
وتتميّز هذه الآليّة بإيجابيّة مهمّة، وهي أنّ المصالحة توكل عادة إلى مصلح خارجي، غالبًا ما يكون كاهنًا، وليس إلى القاضي نفسه.
إلّا أنّ الإشكاليّة تكمن في أنّ المصلح يرفع في نهاية أعماله تقريرًا إلى المحكمة عن نتيجة المصالحة وإجراءاتها، ما يجعل الزوجين حذرين في كلامهما، ويُشعرهما عمليًّا بأنّهما ما زالا أمام المحكمة نفسها، الأمر الذي يحدّ من فعاليّة المصارحة المطلوبة لنجاح الوساطة.
الحلّ الأمثل: تجربة دولة الإمارات العربيّة المتّحدة
في المقابل، تقدّم بعض الأنظمة القضائيّة نموذجًا أكثر توازنًا، كما هو الحال في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة.
ففي عدد من الدعاوى، تُطرح الوساطة بشكل إلزامي قبل السير بإجراءات المحاكمة، لكن مع احترام كامل لمبدأ الفصل بين الوساطة والقضاء.
عمليًّا، يُحال الفرقاء إلى جلسة أمام وسطاء مستقلّين لا ينتمون إلى الهيئة القضائيّة التي ستنظر في النزاع. فإذا رفض أحد الأطراف الوساطة، تُحال الدعوى مباشرة إلى المحكمة. أمّا إذا وافق الجميع على متابعة الوساطة، فتستمرّ الإجراءات أمام الوسطاء أنفسهم.
والأهمّ أنّه لا يُرفع أيّ تقرير إلى المحكمة بشأن مضمون الوساطة أو ما دار فيها، ما يحفظ السرّيّة الكاملة ويؤمّن للأطراف حرّيّة التعبير والمصارحة.
ويُعتبر هذا النموذج من أكثر النماذج توازنًا، لأنّه يوفّق بين هدفين:
• تشجيع الحلول الوديّة،
• والحفاظ على ضمانات المحاكمة العادلة.
ثانيًا: محاذير إضاعة الوقت على الفرقاء تحت ذريعة الوساطة
لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المحاكم اللبنانيّة، ومنذ زمن طويل، تحاول أحيانًا تقريب وجهات النظر بين الفرقاء، إمّا عبر تشجيعهم على التوصّل إلى تسوية، أو أحيانًا عبر الضغط النفسي والمعنوي عليهم لإقناعهم بأنّ مصلحتهم تكمن في إنهاء النزاع وديًّا.
غير أنّ هذه الممارسات، وإن كانت تؤدّي أحيانًا إلى نتائج إيجابيّة، إلّا أنّها لا تتوافق بالضرورة مع مبادئ الوساطة الحديثة القائمة على الإرادة الحرّة وبناء الثقة، لا على الضغط والتهويل.
فالوساطة الحقيقيّة لا تقوم على إرغام الأطراف على التنازل، بل على مساعدتهم على إعادة التواصل وفهم مصالحهم الحقيقيّة.
أمّا الإشكاليّة الأخطر، فهي إمكانيّة استغلال بعض الأطراف لفكرة المصالحة بهدف تضييع الوقت وتأخير العدالة.
بل يمكن القول إنّ الإصرار على طرح المصالحة في بعض الحالات قد يتحوّل بحدّ ذاته إلى مساس بمبدأ العدالة.
فمثلًا، إذا كان هناك مستأجر توقّف عن دفع بدل الإيجار، ثم انتهت مدّة الإيجار واستمرّ في إشغال المأجور دون أيّ مسوّغ أو دفع، فإنّ تأخير البتّ بطلب الإخلاء تحت ذريعة إعطاء فرصة للمصالحة قد يشكّل ظلمًا فعليًّا للمالك، لا حماية للعدالة.
وفي مثل هذه الحالات، تصبح الأولويّة لفعاليّة القضاء وسرعة الحماية القضائيّة، لا لمحاولات وساطة شكليّة يعلم الجميع مسبقًا أنّها غير قابلة للنجاح.
ومن هنا، فإنّ نجاح الوساطة القضائيّة لا يتحقّق فقط عبر فرضها، بل عبر:
• حسن اختيار الحالات المناسبة لها،
• واحترام مبادئها الحقيقيّة،
• وعدم تحويلها إلى وسيلة لتأخير الفصل في النزاعات أو الضغط غير المشروع على المتقاضين.
خاتمة
إنّ الوساطة القضائيّة تشكّل بلا شكّ أداة حديثة وفعّالة يمكن أن تساهم في تخفيف العبء عن المحاكم، وتسريع حلّ النزاعات، وإعادة ترميم العلاقات بين الأطراف بطريقة قد تعجز عنها الأحكام القضائيّة التقليديّة. غير أنّ نجاحها لا يتحقّق بمجرد فرضها شكليًّا ضمن إجراءات التقاضي، بل يتطلّب احترام المبادئ الجوهريّة التي تقوم عليها، وفي مقدّمتها الحياد، والسرّيّة، والفصل بين الوسيط والجهة التي تفصل بالنزاع.
كما أنّ الوساطة لا ينبغي أن تتحوّل إلى وسيلة لتأخير العدالة أو للضغط على المتقاضين من أجل انتزاع تنازلات منهم تحت وطأة الوقت أو الكلفة أو رهبة المحكمة. فالعدالة لا تتحقّق فقط بالمصالحة، بل تتحقّق أيضًا بضمان حقّ المتقاضي في الوصول إلى حكم سريع وعادل عندما تكون المصالحة غير ممكنة أو غير مجدية.
ومن هنا، فإنّ التحدّي الحقيقي لا يكمن في إدخال الوساطة إلى النظام القضائي اللبناني فحسب، بل في إيجاد الصيغة المتوازنة التي تسمح بالاستفادة من مزاياها دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة أو بجوهر العدالة نفسها.