WE ANTICIPATE
THE CHALLENGES

تنفيذ الأحكام الإماراتية في لبنان في غياب اتفاقية تعاون قضائي

بقلم المحامية فابيولا قبان – ياز كونسلت

مقدّمة

يتناول هذا المقال إشكالية تنفيذ الأحكام الأجنبية في لبنان، خصوصاً عندما يكون الحكم صادراً عن دولة أجنبية مثل الإمارات العربية المتحدة، في ظل غياب اتفاقية تعاون قضائي مباشرة بين البلدين. لا شك أن غياب الاتفاقية يطرح تساؤلات حول كيفية تنفيذ الأحكام القضائية في لبنان، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحقوق الأحوال الشخصية، مثل حكم الطلاق الصادر في الإمارات. فهل يمكن تنفيذ هذه الأحكام في لبنان رغم غياب اتفاقيات رسمية؟ وما هي الحلول القانونية المتاحة لتحقيق ذلك؟ هذا ما سيتم استعراضه من خلال القوانين والمبادئ المعمول بها في النظام القضائي اللبناني

الإطار القانوني لتنفيذ الأحكام الأجنبية في لبنان

القانون اللبناني لا يربط تنفيذ الأحكام الأجنبية بوجود اتفاقية تعاون قضائي، بل يعترف بآلية قانونية عامة تسمح بتنفيذ الأحكام الأجنبية شريطة توافر بعض الشروط القانونية الأساسية. وفي هذا السياق، تنص المادة 1022 من قانون أصول المحاكمات المدنية على أن:

“الحكم الأجنبي الحائز على الصيغة التنفيذية في دولته يتمتع بنفس القوة التنفيذية التي تتمتع بها الأحكام اللبنانية في لبنان”

هذا يعني أن الحكم الأجنبي، بعد حصوله على الصيغة التنفيذية في الدولة التي أصدرته، يمكن أن يُنفذ في لبنان دون الحاجة إلى اتفاقية بين البلدين، بشرط أن يتوافق مع الشروط المنصوص عليها في القانون اللبناني

ومثال على ذلك، لو صدر حكم طلاق من محكمة إماراتية وحصل على الصيغة التنفيذية في الإمارات، يتمكن القضاء اللبناني من تنفيذ هذا الحكم طالما استوفى الشروط القانونية اللبنانية، حتى وإن كانت هناك مشكلة في غياب اتفاقية خاصة بين البلدين

ومن جانب آخر، تنص المادة 1032 من قانون أصول المحاكمات المدنية على أن النصوص الخاصة بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بتنفيذ الأحكام هي جزء من القانون اللبناني، إلا أن هذا لا يجعل وجود الاتفاقية شرطاً أساسياً لتنفيذ الأحكام الأجنبية. وبالتالي، يتّبع لبنان في تنفيذ الأحكام الأجنبية إطاراً قانونياً مستقلاً يتيح له التعامل مع الأحكام الصادرة في الخارج وفق الشروط المحددة في قانون أصول المحاكمات

مبدأ المعاملة بالمثل

في حال عدم وجود اتفاقية خاصة لتنفيذ الأحكام بين لبنان والدولة التي أصدر فيها الحكم، يعتمد القضاء اللبناني على مبدأ المعاملة بالمثل، الذي يعد أداة قانونية فعّالة لتمكين تنفيذ الأحكام الأجنبية. المعاملة بالمثل تعني أنه يمكن تنفيذ الحكم الأجنبي في لبنان إذا كانت الدولة التي أصدرته تقبل تنفيذ الأحكام اللبنانية. وقد استقر الاجتهاد اللبناني على أن:

“تنفيذ الحكم الأجنبي ممكن دون إعادة النظر في أساس النزاع، شرط أن تكون المعاملة بالمثل مقبولة في قانون الدولة التي صدر فيها الحكم، وأن يكون الحكم نهائياً ومكتسباً قوة التنفيذ”

مبدأ المعاملة بالمثل يشكل الأساس الذي يسمح بتنفيذ الأحكام الأجنبية بين الدولتين، حتى في غياب اتفاقية خاصة. ويُعطى هذا المبدأ أهمية خاصة في القضايا التي تتعلق بحقوق الأحوال الشخصية، حيث تفرض المحكمة اللبنانية أن يكون هناك احترام متبادل بين الأنظمة القضائية للدولتين في ما يتعلق بتنفيذ الأحكام

على سبيل المثال، إذا كانت الإمارات تنفذ الأحكام اللبنانية، فإنه من المرجح أن ينفذ لبنان الأحكام الصادرة عن محاكم الإمارات إذا كانت الشروط الأخرى مستوفاة

تطبيق الاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف

في حال وجود اتفاقيات دولية متعددة الأطراف، يمكن للبنان الاستفادة منها لتنفيذ الأحكام الأجنبية، وذلك حتى وإن لم تكن هناك اتفاقية ثنائية مباشرة مع الدولة المعنية. مثال على ذلك هو اتفاقية تنفيذ الأحكام بين دول جامعة الدول العربية، الموقعة في 18 فبراير 1952، والتي تعتبر جزءاً من النظام القانوني اللبناني بموجب المادة 1032 من قانون أصول المحاكمات المدنية

تنص هذه الاتفاقية على أن:

“كل حكم نهائي مقرر لحقوق مدنية أو تجارية أو قاض بتعويض من المحاكم الجزائية أو متعلق بالأحوال الشخصية صادر من هيئة قضائية في إحدى الدول العربية، يكون قابلاً للتنفيذ في سائر دول الجامعة وفقاً لأحكام هذه الاتفاقية”

وبذلك، حتى في غياب اتفاقية خاصة بين لبنان والإمارات، يمكن للبنان تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم الإماراتية في إطار هذه الاتفاقية، إذا كانت الأحكام تفي بالشروط المنصوص عليها

الرقابة القضائية على تنفيذ الحكم الأجنبي

على الرغم من أن القانون اللبناني يتيح تنفيذ الأحكام الأجنبية، إلا أن هذه العملية تخضع لرقابة قضائية للتأكد من توافر الشروط القانونية اللازمة. من أبرز هذه الشروط:

أن يكون الحكم الأجنبي قد صدر عن محكمة مختصة

أن يتم تبليغ أطراف النزاع بشكل صحيح

أن يكون الحكم نهائياً ومكتسباً قوة التنفيذ

أن لا يكون الحكم مخالفاً للنظام العام أو الآداب العامة في لبنان

        أن لا يكون هناك حكم لبناني سابق في الموضوع ذاته

هذه الرقابة القضائية تهدف إلى التأكد من أن تنفيذ الحكم الأجنبي لا يتعارض مع المبادئ الأساسية للنظام القانوني اللبناني، خاصة في القضايا التي تشمل الحقوق الشخصية. على سبيل المثال، إذا كان حكم الطلاق الصادر من الإمارات يتعارض مع مبادئ النظام العام اللبناني، قد يُرفض تنفيذه. كما أن هذا الأمر لا يشمل إعادة النظر في أساس النزاع بل يقتصر على التحقق من سلامة الإجراءات وتوافق الحكم مع النظام القانوني اللبناني

تنفيذ الأحكام الإماراتية في لبنان

في حالة حكم الطلاق الصادر عن المحكمة الإماراتية، فإن تطبيق القواعد القانونية السابقة يمكن أن يُسهل عملية تنفيذ هذا الحكم في لبنان. إذا كان الحكم الإماراتي قد اكتسب الصيغة التنفيذية في الإمارات وكان يستوفي الشروط القانونية التي يتطلبها النظام اللبناني، فيمكن تنفيذه في لبنان بناءً على مبدأ المعاملة بالمثل

على سبيل المثال، إذا كان الزوجان في قضية الطلاق في دبي يمتلكان حقوقًا في لبنان وكان الحكم صادراً عن محكمة مختصة، فيمكن القاضي اللبناني إصدار أمر بتنفيذ الحكم على الأراضي اللبنانية طالما تم استيفاء الشروط القانونية اللبنانية

انعكاسات تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل على الاختصاص القضائي

فيما يتعلق بالدعوى الموازية (مثل الطلاق)، إذا تم تنفيذ الحكم الأجنبي في لبنان بناءً على مبدأ المعاملة بالمثل، فإن ذلك قد يؤدي إلى تأثيرات على الاختصاص القضائي. ففي حال كان الحكم الأجنبي قد صدر في دولة أخرى، ولم يكن هناك حكم لبناني مماثل في الموضوع ذاته، فإن القاضي اللبناني قد يرفض النظر في الدعوى الجديدة استناداً إلى قاعدة سبق الادعاء الدولي، حيث يتم تفضيل الفصل في النزاع أمام المحكمة الأجنبية التي أصدرت الحكم السابق

ويُعد هذا الإجراء من الإجراءات القضائية الرامية إلى تجنب تكرار الدعاوى أو إصدار أحكام متناقضة، ويضمن تحقيق العدالة بتجنب الازدواجية في التقاضي. على سبيل المثال، إذا كانت دعوى الطلاق قد تم الحكم فيها في دبي وحصلت على الصيغة التنفيذية في لبنان، فإن القاضي اللبناني قد يرفض النظر في دعوى جديدة متعلقة بنفس الموضوع بين نفس الأطراف

خاتمة

يتبين مما تقدم أن تنفيذ الأحكام الإماراتية في لبنان لا يرتبط حصراً بوجود اتفاقية تعاون قضائي، بل يمكن تحقيقه استناداً إلى نظام قانوني لبناني مرن يعترف بمبدأ المعاملة بالمثل ويتيح تنفيذ الأحكام الأجنبية استناداً إلى القواعد القانونية الداخلية أو الاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف. وبذلك، لا يمثل غياب الاتفاقية الثنائية بين لبنان والإمارات عائقاً أمام تنفيذ الأحكام، بل إن المعيار الحاسم يبقى في قابلية الحكم الأجنبي للاندماج في النظام القضائي اللبناني، بما يتوافق مع المبادئ القانونية المنظمة للتنفيذ القضائي في لبنان