WE ANTICIPATE
THE CHALLENGES

استحقاق التعويض السنويّ للمحامي على اساس الوكالة السنويّة حتى ولو لم يكن بدل الأتعاب السنويّة ثابتا

بقلم المحامي جوزيف يزبك الرّمادي

تنصّ المادّة 69 من قانون تنظيم مهنة المحاماة على أنّه يستحقّ للمحامي تعويضا بنهاية وكالته السنويّة. بالمبدأ، إنّ العنصر الأساس لاعتبار الوكالة سنويّة وبالتالي يستحقّ التعويض بنهايتها، هو أنّ تتوجّب أتعاب ذات قيمة ثابتة بنهاية كلّ سنة المحامي. ما يدلّ على أنّ العمل مستمرّ وليس مجرّد تراكمات لأعمال مستقلّة عن بعضها وصادف أنها كانت متلاحقة بحيث غطّت مرحلة زمنيّة محدّدة.

إلا أنّ هذا المبدأ ليس مطلقا، ويكفي أن تكون طريقة احتساب الأتعاب ثابتة كي تعتبر الوكالة سنويّة، ولا يشترط أن تكون القيمة المتوجّبة ثابتة سنويّا. وهذا ما سنبيّنه في هذا المقال.

الإشكاليّة في هذا الموضوع أنّه لا يوجد اجتهادات كافية لتحدّد مفهوم “الوكالة السنويّة” المقصودة في المادة 69 من قانون تنظيم مهنة المحاماة في لبنان. وبالتالي، فالباب مفتوح للتحليل في هذا الموضوع.

أولا: معالجة مفهوم الوكالة السنويّة من باب المنطق المشرّع الذي يستنبط من النصّ نفسه

أ‌. النصّ القانونيّ

نصّت المادة 69 من قانون تنظيم مهنة المحاماة على ما يلي:

“عند انهاء كل وكالة باتعاب سنوية من قبل الموكل دون سبب مشروع او عند عجز الوكيل الثابت الدائم عن العمل، او عند تقاعده او وفاته، يترتب على الموكل تعويض للوكيل او لورثته قدره شهر واحد عن كل سنة توكيل على اساس اخر اتعاب او تعويضات سنوية تقاضاها.”

ب‌. خلفيّة التعويض عن إنهاء الوكالة السنويّة

العبرة من هذه المادّة هي استحقاق التعويض للمحامي بعد سنوات من العمل لمصلحة الموكّل بشكل ثابت. أوّل ما يلفتك في هذه المادّة هو الشبه الكبير بينها وبين تعويض نهاية الخدمة الذي يستحقّ للأجير:

1- فكلاهما مرتبط بنهاية العمل

2- وكلاهما يتمحور بشكل أساس حول تقاعد المحامي/الأجير وتوقفه عن العمل، ما يعطي انطباعا أنّ هذا التعويض هدفه تأمين آخرة المحامي/الأجير في وطن ليس فيه ضمان شيخوخة ما يجبر المشرّع على أن يبحث عن مصادر أخرى لتأمين شيخوخة المواطنين، كلّ منهم بحسب نوع عمله. وهو ما يشرح عدم وجود ما يوازي هذا الحقّ للمحامي في التشريعات الأجنبيّة، مثل فرنسا، حيث يوجد ضمان شيخوخة.

3- وطريقة احتساب التعويض هي مطابقة أيضًا: شهر عن كلّ سنة على اساس آخر بدل أتعاب تقاضاه المحامي.

ت‌. عناصر تصنيف الوكالة السنويّة

سنبدأ التحليل من حالات قصوى لا شكّ فيها بأنّ التعويض لا يعمل به فيها. ما سيساعدنا على استخلاص المبادئ العامّة التي تنفي استحقاق التعويض أو العكس.

لا يستحقّ التعويض دون أدنى شكّ في الحالات التالية:

  • في حال قام الوكيل بتقديم دعوى واحدة أو عمل واحد مثلا، امتدّت على عدّة سنوات، ثمّ انتهت.
  • في حال قام الوكيل بتقديم عدّة دعاوى للموكّل نفسه خلال فترة بضع سنوات مثلا.
  • في حال كان الموكّل يستشير الوكيل صديقه بين الحين والآخر دون ترتيب أي بدل أتعاب.
  • في حال كان الموكّل يستشير الوكيل بشكل متقطّع وعلى أساس بدل أتعاب محدّد عن كلّ استشارة.

أضف إلى ذلك أنّ المادّة 69 تتحدّث عن “إنهاء” الوكالة. هذا يعني أنّه يجب أن يكون لدينا حالة تفترض استمراريّة معيّنة كي يجوز الحديث عن إنهائها. بمعنى آخر، إذا كان الموكّل يتولى الدّفاع عن الموكّل في دعاوى معيّنة، وانتهت هذه الدّعاوى. ثمّ لم يقم الموكّل بتوكيل المحامي بدعاوى جديدة، أو بكلّ بساطة لم تطرأ أيّة دعاوى جديدة على الموكّل كي يطلب من المحامي تولّيها، فهل يمكننا الحديث هنا عن “إنهاء” الوكالة؟ الجواب هو طبعا بالنفي. إذا يجب أن يكون هناك ما يفترض الاستمراريّة كما في الحالات التالية:

o أن يكون هناك إتفاق على أتعاب سنويّة لقاء استشارات أو تحصيل أو ما شابه، وبالتالي، مع الوقت تصبح هذه الاتفاقيّة بمثابة عقد غير محدّد المدّة، تماما كما يحصل في عقد العمل.

o أو أن يكون هنالك إتفاق على استمرار الاستشارات أو الخدمات لمدّة محدّدة ويتم وقف هذه الخدمات قبل حلول أجل العقد.

يُستفاد من هذه الأمثلة أنّه ليكون ممكنا أن يستحقّ التعويض، يجب أن تتوفّر فيه العناصر التالية:

  1. تقديم مجموعة خدمات قانونيّة غير متقطّعة وبشكل مستمرّ زمنيّا للوكيل طيلة فترة الخدمات.
  2. يجب أن تتعلق الخدمات بعناصر غير محدّدة زمنيّا (مثلا الدّعوى هي موضوع محدّد زمنيّا بانتهاء الدّعوى، بينما الاستشارات العامّة هي غير محدّدة، أو التحصيل وإدارة الأبنية هي غير محدّدة زمنيّا، …)
  3. وأن يكون هنالك اتفاق إطار عام على الأقل لتحديد الأتعاب عن هذه الأعمال. (فإذا كان يحصل إتفاق كل سنة على حدة على الأتعاب، فهذا يعني أنّه في حال لم يحصل اتفاق جديد للسنة القادمة لا يجدّد العقد بكلّ بساطة، ولا نتكلّم هنا عن إنهاء للعقد. أو على الأقل أن يكون هنالك اتفاق لسنة واحدة، ثمّ يجدد العقد تلقائيا لعدّة سنوات فيعتبر عندها أنه قد أصبح غير محدّد المدّة، تماما كما يحصل في عقود العمل.)

ث‌. عنصر ثبات التعويض المالي السّنويّ

ويبقى السؤال هنا، هل يكفي إتفاق إطار عامّ على الأتعاب أم يجب أن تكون الأتعاب ثابتة ومحدّدة بمبلغ محدّد يعاد نفسه كلّ سنة؟

في الواقع، لم يشترط مشرّع المادّة 69 من قانون تنظيم مهنة المحاماة أن يكون البدل ثابتا بشكل مطلق. لا بل أنّ المادّة نفسها نصّت على أنّ التعويض يُحتسب على أساس “أخر اتعاب او تعويضات سنوية تقاضاها” (الوكيل من الموكّل).

وهنا نعلّق على عبارتين وردتا في هذه المادّة:

  • على اساس “آخر أتعاب”: يعني ذلك أن الأتعاب تتغيّر مع الوقت، وإلا لما كان استعمل المشرع كلمة “آخر أتعاب”. ولكن يمكن أن يكون المقصود أنّ الأتعاب يجب أن تكون ثابتة ولكنها تزيد مع الوقت، تماما مثل معاش الأجير.
  • على اساس آخر أتعاب أو تعويضات: لماذا أضاف المشرّع تعبير “أو تعويضات” إلى هذه المادّة؟ لماذا اعتبر المشرّع أن كلمة “أتعاب” غير كافية؟ من الناحية اللغويّة، الأتعاب تستحقّ مقابل خدمات، بينما التعويضات تستحقّ مقابل أضرار أو مقابل منافع إضافيّة (بدل انتقال، سيّارة، سكن، سفر، …) أو عن نهاية خدمات بمعنى أنها تأتي بمثابة مكافأة أو ضمان للمستقبل.

    العبرة هنا هي التالية: إذا كانت الأتعاب من الممكن أن تكون ثابتة، فإنّ التعويضات من جهتها لا يمكن أن تكون ثابتة من حيث طبيعتها، لأنها تأتي مقابل عناصر متغيّرة (الانتقال، السّفر، …)

يُستنتج من هتين العبارتين:

  • أنّ تصنيف الوكالة السنويّة لا يشترط أن يكون البدل السنويّ ثابتا.
  • لا بل أكثر من ذلك، يمكن أن يكون البدل متغيّرا بشكل كبير لا سيّما بعد إضافة التعويضات إليه.

وبالتالي، يكفي أن يكون هنالك اتفاق إطار عام يسمح بتحديد الأتعاب ولو بشكل نسبيّ دون أن يكون هنالك أيّ جزء منه ثابتا. وهذا ما سنؤكّد عليه أيضًا في القسم الثاني من هذه الدّراسة.

ثانيا: معالجة مفهوم الوكالة السنويّة التي يستحقّ عنها التعويض للمحامي على سبيل القياس مع مفهوم عمل الأجير الذي يستحقّ عته تعويض نهاية خدمة على نفس الأسس وبنفس طريقة الاحتساب.

إضافة إلى كلّ ما ذكرناه في الفصل السّابق حول مواطن التشابه بين تعويض المحامي وتعويض نهاية الخدمة للأجراء، فقد أكّد الفقه على ذلك أيضًا كما يظهر من مقال المقيب ناضر كسبار، حيث أورد ما حرفيّته:

“وبالنظر لطابع هذا التعويض الاستثنائي وغير المتكرر فهو اقرب بطبيعته وبظروف إستحقاقه الى تعويض نهاية الخدمة الذي يتقاضاه الاجير عند إنتهاء خدماته…”

(مفهوم التعويض الذي يتقاضاه المحامي وعدم خضوعه لضريبة الدخل- النقيب ناضر كسبار- مجلة المحكمة عدد 27/10/2018)

وعليه، نحيل إلى المادة 57 من قانون العمل اللبناني، المتعلقة بحساب تعويض الصرف إذ تنص على أنه إذا كان الأجر كله أو قسم منه محسوباً على أساس العمولة، فيعتمد متوسط العمولات خلال الاثني عشر شهراً السابقة لحساب التعويض.

وهذا يعني أن المشرع اللبناني لا يشترط أن يكون الأجر الأساسي مبلغاً ثابتاً، بل يعترف بإمكان أن يكون الأجر عبارة عن عمولات نسبيّة فقط طالما أنّ طريقة احتسابه محدّدة (وليست متعلقة بعدد أيّام العمل (المياومون)).

وفيما يلي حرفيّة نصّ المادّة 57 (المعدّلة بموجب المرسوم 8496/1974):

“الأجر المعتمد لحساب التعويضات هو الأجر الأخير المدفوع قبل الصرف أو العلم السابق بالصرف. ويُقصد بالأجر الأجر الأساسي المحسوب على أساس الوقت، مع الزيادات والتعويضات والعمولات المضافة إليه. وإذا حُسب الأجر كله أو قسم منه على أساس العمولة، يؤخذ المبلغ المتوسط المتقاضى خلال الاثني عشر شهراً قبل الصرف.”

يُستفاد ممّا تقدّم:

  • أنّ الوكالة السنويّة لا تشترط تحديد مبلغ ثابت للأتعاب، بل يكفي الاتفاق على آليّة موضوعيّة تحدّد الأتعاب.
  • وفي هذه الحالة، على سبيل القياس، يكون التعويض المتوجّب هو على أساس متوسّط الأتعاب المستحقّة خلال الأشهر الـ12 الأخيرة.

وهذا ما استقرّ عليه الاجتهاد حيث نذكر على سبيل المثال القرار الصادر عن مجلس العمل التحكيمي بالرقم : 907 /1968 (منشور على صفحة مركز الابحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية/ الجامعة اللبنانيّة). وقد جاء فيه ما يلي:

حيث يستدل بالاستناد الى مجمل الاوراق: (..) ان المدعى عليها مؤسسة وكالات داغر للتأمين والتجارية وبموجب كتابها المؤرخ في الثاني من ايلول سنة 960 عينت المدعي موظفا لديها بصفة مدير علاقاتها العامة مقابل اجر تحدد يشكل عمولات يتقاضاها المدعي في حينه عن كل عملية التزام انه وعند استلام عمله لدى المدعي عليها حق له سحب راتب شهرى قدره الفا ليرة لبنانية على ان يحسم هذا المبلغ في النهاية من مجموع عمولاته في اخر كل سنة وفي حال عدم تغطية عمولاته لمجمل اجوره الشهرية يقيد الرصيد على حساب الرواتب لدى المدعي عليها (…)

ان المدعى عليها توقفت عن دفع اي مبلغ الى المدعي بعد تاريخ 30/9/962 (…) وطلبت من المدعي اعتبار الاتفاق القديم غير صالح لاعتماده اساسا لاستمرار العمل بينهما وبالتالي التوصل بروح المودة والصداقة والاخاء لايجاد صيغة اتفاق جديد يبنى على برنامج جديد للعمل يحقق انصاف الطرفين. ان المدعي رفض عرض المدعي عليها هذا واصر على التقيد بمضمون اتفاق 2/9/960 وانه وبعد ان انذر المدعي عليها بوجوب دفع رواتبه المستحقة وبعد ان تمنعت المدعي عليها عن دفعها انقطع عن المدعي في بدء شباط سنة 963 ثم تقدم بدعواه الحاضرة.

وحيث ان المجلس بالنظر لمجمع ما تقدم قد كون قناعته التامة ان المدعي كان يعمل كموظف لدى المدعي عليها بصفة مدير العلاقات.

وبالتالي، اعتبر مجلس أنّه بالرّغم من كون الأجر محدّد كنسبة من النتيجة كعمولة، إلا أنّ طريقة احتسابه محدّدة ولو أنّ قيمته ليست محدّدة، وبالتالي، اعتبر المجلس أنّ العلاقة هي علاقة عمل وتخضع لقانون العمل.